عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
111
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
بعد أن شاهدوها وحققوها وهذا لا يكون غيبا في حقهم وإنما يكون غيبا لنا إذا نظرنا بالحس . والملكوت يكون لأهل الحس غيبا ، وهنا من ينظر بالنظر الملكوتي فيشاهد الملكوت والملكوتيات كما قال تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأنعام : 75 ] وقال تعالى : أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف : 185 ] فحينئذ لا يكون غيبا ، فإن الغيب ما غاب عنك ، وما شاهدته فهو شهادة ، فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب . وليس لهم الترقي إلى تلك الحضرة وأن الإنسان قالبا من عالم الشهادة المحسوسة وروحا من عالم الغيب الملكوتي الغير محسوس وسرا مستعدا لقبول فيض النور الإلهي . فالسالك بالعبور عن خواص مفردات العناصر يرتقي إلى المركبات ومن المركبات يرتقي بالعبور عن خواصها إلى المعادن والنباتات ومنها بالعبور عنها ترتقي إلى أفق الحيوانات ، ومنه يرتقي إلى الأفق الإنساني ومنه يرتقي من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وهو الملكوت . كما سيجيء شرحه في موضعه إن شاء اللّه تعالى . وبسر المتابعة وخصوصيتها ترتقي من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت والعظموت وهو غيب الغيب فيشاهد بنور اللّه تعالى المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال والجلال فيكون في خلافة الحق عالم الغيب والشهادة . كما أن اللّه تعالى هو عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ( 26 ) [ الجن : 26 ] أي : الغيب المخصوص به وهو غيب الغيب . أحدا ، يعني من الملائكة إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [ الجن : 27 ] ، يعني من الإنسان فهذا هو السر المكنون المركوز في استعداد الإنسان الذي كان اللّه يعلم منه والملائكة لا يعلمون به حين قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ [ البقرة : 30 ] حتى قال : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] والذي قالت الملائكة لما نظروا بنظر الملكي في ملكوت جسد آدم أنطقهم اللّه تعالى بهذا القول ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة وفي جبلتنا مركوزة ، فنجهد في تزكية نفوسنا عن هذه الصفات ، ونسعى في العبور عن هذه الظلمات بتوفيق اللّه تعالى وعونه إن شاء اللّه وحده ، كما نشرح في مقامات النفس ومعرفتها إن شاء اللّه وحده .